فخر الدين الرازي

7

تفسير الرازي

هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن ، وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين ، وقد يتحرك إلى اليسار ، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب ، وقد لا ينشئ ، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر ومؤثر مقدر ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال تعالى : * ( والله الذي أرسل ) * بلفظ الماضي وقال : * ( فتثير سحاباً ) * بصيغة المستقبل ، وذلك لأن لما أسند فعل الإرسال إلى الله وما يفعل الله يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زماناً ولا جزأً من الزمان ، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان وكأن فرغ من كل شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة والتقدير كالإرسال ، ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهو يؤلف في زمان فقال : * ( تثير ) * أي على هيئتها . المسألة الثانية : قال : * ( أرسل ) * إسناداً للفعل إلى الغائب وقال : * ( سقناه ) * بإسناد الفعل إلى المتكلم وكذلك في قوله : * ( فأحيينا ) * وذلك لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال ، ثم لما عرف قال : أنا الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض فنفى الأول كان تعريفاً بالفعل العجيب ، وفي الثاني كان نذيراً بالنعمة فإن كما ( ل ) نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء وقوله : * ( سقناه وأحيينا ) * بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من الفرق بين قوله : * ( أرسل ) * وبين قوله : * ( تثير ) * . المسألة الثالثة : ما وجه التشبيه بقوله : * ( كذلك النشور ) * فيه وجوه : أحدها : أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة وثانيها : كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء وثالثها : كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت . المسألة الرابعة : ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد ، فنقول لما ذكر الله أنه فاطر السماوات والأرض ، وذكر من الأمور السماوية والأرواح وإرسالها بقوله : * ( جاعل الملائكة رسلاً ) * ذكر من الأمور الأرضية الرياح وإرسالها بقوله : * ( والله الذي أرسل الرياح ) * . ثم قال تعالى * ( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ) * . ثم قال تعالى : * ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذي يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ) * .